مجلة في المنفى الألماني تعكس الثقافة السورية وفنونها

للثقافة السورية في المنفى بصمتها على المشهد الثقافي في ألمانيا، حيث يقوم مواطنان سوريان ومواطن ألماني بإصدار مجلة للتعريف بالثقافة السورية في برلين . كيف رأت المجلة النور؟ وما هدفها؟ وماذا عن محتواها وآفاقها المستقبلية؟

مع اقتراب عقارب الساعة من السابعة لمساء يوم الثلاثاء الماضي (29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016) يبدأ حشد غفير من البشر بالتوافد على مكان الفعالية الموجود في مركز برلين التاريخي. على بعد بضع مئات الأمتار من هناك يحكي "النصب التذكاري لجدار برلين" عن حقبة من الماضي الألماني، ويلاحظ المشاهد وجود تشابه وتقاطع مع الحاضر السوري. مكان الفعالية يعج بالحضور ويضيق بالناس. السَحَنات والهيئات تَشي بتعدد كبير للجنسيات والأصول، بيد أن لغة التواصل هنا هي الإنجليزية. لم يكن ذلك صدفة: فاليوم يتم نشر مجلة باللغة الإنجليزية.

مجلة في المنفى الألماني تعكس الثقافة السورية وفنونها تكبير الصورة (© A Syrious Look)
بين حفلة زفاف وولادة مجلة

قبل نحو عام، تعرّف الشاعر وكاتب السيناريو، الفلسطيني - السوري محمد أبو لبن، على الناشر والصحفي الألماني، ماريو مونستر، في حفل زفاف للمخرج المسرحي السوري زياد عدوان والفنانة السورية مي سعيفان. ومن هنا اكتمل عقد الثلاثي، زياد ومحمد وماريو، وعلى أيديهم جاءت ولادة مجلة A Syrious Look . وكانت علاقة ربطت محمد بماريو؛ إذ أنه ساهم بعدة مقالات في المجلة الفصلية Rosegarden، التي يصدرها ماريو منذ عام 2013 من برلين. "تنطلق فكرة المجلة وإطارها العام من الثقافة المنتزعة من جذورها. وتمثل المجلة لحظة توثيقية بعد وصول السوريين إلى ألمانيا: ما هي انطباعاتهم وأفكارهم ومكانهم على الخريطة الفنية والثقافية والأدبية العالمية، وكيف هي تطورات تجاربهم"، يقول زياد.

من جانبه يضيف محمد: "إنها محاولة لتقديم بورتريه مختلف عن الثقافة السورية في المنفى، ونحن لا نقول إن المساهمات والمحاولات الأخرى خاطئة. بيد أننا أردنا تناول القضية بشكل أكثر عمقاً؛ والمجلة الفصلية أو نصف السنوية تتيح لنا هذه الإمكانية". لم يحسم الثلاثي أمره بعد ويقرر هل ستكون المجلة نصف سنوية أم فصلية.

جمهور المجلة

تتوجه المجلة إلى شرائح مختلفة من القراء، فزياد يحدد تلك الشرائح في المهتمين بـ"الأدب والفن والثقافة، وبالشأن السوري، وببرلين كظاهرة تقافية عالمية". ويوافقه في الرأي ماريو الذي يضيف: "تخاطب المجلة الفئة غير الراضية على أن يكون اللاجئ مجرد لاجئاً أو قوة عاملة في سوق العمل". وينفي محمد أبو لبن أن تكون المجلة موجهة "للاجئين بشكل أساسي"، غير أنه يعود ليؤكد أن "هذا ليس تعالياً على اللاجئين، فالمجلة تهتم بمواضيع اللاجئين من زاوية أنها تعطي الأمل للاجئ بأنه يمكن أن يكون خلاقاً ومبدعاً ويعيش بسلام". وورد في الصفحات الأولى للمجلة أن خمسين بالمائة من عائدات المجلة ستخصص لتمويل نشاطات ثقافية في سوريا. أما الخمسين بالمائة الأخرى فستمول إقامة ورشات عمل في الفن والتمثيل للاجئين السوريين في برلين. وكان زياد قد أقام عدة ورشات مسرحية مع لاجئين في برلين وميونيخ واليونان، وألعاب مسرحية للتأقلم مع بيئات جديدة.

برلين الرؤوم تتكلم إنجليزي

برلين مدينة ثقافية عالمية يعيش فيها العديد ممن يتحدث ويتواصل باللغة الإنجليزية. فلا غرابة إذن أن تصدر المجلة باللغة الإنجليزية في العاصمة الألمانية. ويؤكد محمد أبو لبن أن "الجمهور المستهدف هو جمهور متعدد الجنسيات ممن يتقن الإنجليزية". ويشير زميله وابن دفعته الدراسية في "المعهد العالي للفنون المسرحية" بدمشق، زياد عدوان، أسباب أخرى لذلك: "إصدار المجلة باللغة الإنجليزية يشكل جزءا من اللحظة التوثيقية. الكثير من الفنانين السوريين يتواصلون مع الألمان ومع باقي الجنسيات بالإنجليزي. والإنجليزية هي لغة معظم الأعمال التي يشتغل فيها سوريون في ألمانيا". ولا يستبعد محمد - في إطار هذه اللحظة التوثيقية - صدور "أعداد لاحقة من المجلة باللغة الألمانية".

يقدر الفنان البصري والناشط الثقافي خالد بركة عدد الفنانين والفاعلين الثقافيين السوريين في ألمانيا "بالمئات". ونظراً لغياب احصائيات موثوقة، يعمل خالد على إطلاق "فهرس سوريا الثقافي"، الذي ينبغي أن يشكل "منصة بديلة لحالة الشتات، وخارطة تصل بين المجموعات السورية الفنّية حول العالم". بالمقارنة بين المدن الألمانية، أضحت برلين قبلة للفنانين والمثقفين السوريين.

ويذكر زياد، الذي يعمل أيضا كباحث مشارك في جامعة ميونيخ، أنه من بين أهداف المجلة "تناول العلاقة ببرلين كمدينة". سألنا مخرج الأفلام الوثائقية ومؤسس "مهرجان سوريا لأفلام الموبايل"، عامر مطر، عن طبيعية علاقته ببرلين، فأجاب "برلين جميلة، ولكن هناك التباس في علاقتنا معها كواقع، حيث مفروض علينا العيش فيها، لأنه ببساطة ليس هناك من مكان آخر نذهب إليه. أتصور أن العلاقة مع برلين الجميلة ستكون أجمل لو كان ذلك بمحض إرادتنا الحرة"، جاء كلامه هذا في معرض تعليقه على سؤالنا على خلفية مقابلة له في المجلة.

تنوع في المضمون

تزخر المجلة بالكثير من الأشكال الصحفية الثقافية والفنية: مجموعة من الصور الفوتوغرافية توثق الدمار الذي حلّ بالمنشآت التعليمية والثقافية في سوريا، حوار مع المفكر صادق جلال العظم عن النهضة والدين والمنفى والثورة، مقتطفات شعرية لشعراء سوريين في المنفى، وتوجد أيضا مادة عن عسكرة النظام السوري لتلاميذ وطلاب المدارس السورية، ولوحات تشكيلية وأخرى فنية عن المرأة في الثورة السورية. كما تدعو مادة أخرى للألماني رافائيل نوينر إلى ضرورة التغلب على النقص الحاصل في التشاعرية (مشاركة الآخرين مشاعرهم) لدى الألمان والأوروبيين تجاه السوريين.

حفل إطلاق العدد الأول من المجلة الثقافية في برلين

وتطلعنا مي سعيفان على مشروعها في أرشفة منامات (أحلام) السوريين منذ عام 2011 وحتى اليوم، واستوحاء عروض مسرحية منها كمسرحية "التخريب للمبتدئين" التي شاركت في "أيام قرطاج المسرحية". كما يروي ديفيد هيرمان، في بوح شخصي، قصة عائلته مع اللجوء بدءً من تهجير جدته من بروسيا الشرقية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى أن هرب جده من ألمانيا الشرقية الشيوعية، وصولاً إلى رحيله إلى إنكلترا وهو ابن خمسة عشر عاماً. وقد أمضى هناك عقدين من عمره قبل أن يحط الرحال في ألمانيا وفي برلين مرة أخرى. ويقدم المصمم في مجال الرسوم المتحركة والموسيقي، سلام الحسن، في قصة مصورة، حكايته الشخصية ورحلته مع الموسيقا بين دمشق ودبي وبرلين، وكيف أثر عمله الموسيقي في برلين على حياته "بشكل إيجابي عالج به خواطره".

أرقام وحقائق

تقع المجلة الملونة والأنيقة التصميم والإخراج الفني في سبع وثمانين صفحة. جودة الطباعة بادية للعيان. "غطت مؤسسة تُعنى بالاندماج تكاليف الطباعة، ونقوم بباقي العمل تطوعياً، ولا نحصل على أي مردود مالي" كما يؤكد ماريو. وقد وجهت المجلة الشكر على صدر طبعتها لـ METRO GROUP على مساهمتها في التمويل. يبلغ ثمن النسخة الورقية من المجلة أحد عشر يورو. ويقول ماريو مونستر أن المجلة "ستباع في برلين في خمسة مراكز توزيع، وقريباً جداً ستكون متاحة في كبرى المدن الألمانية. وقد تم طباعة "ألفي نسخة" من العدد صفر.

لن تبقَى اهتمامات المجلة حكراً على الثقافة السورية، ففي جعبة الثلاثي، ماريو ومحمد وزياد، هناك الكثير من الأفكار لنشر أعداد قادمة عن ثقافات في المنفى الألماني: التركية، الفلسطينية، الجنوب أوروبي كالإسبانية والإيطالية، والإنكليزية بعد "البريكست"، والأمريكية بعد فوز ترامب، أو حتى عن الجيل الثالث من العرب هنا، الذين مازالوا يرزحون تحت مسميات تشير إلى أنهم من أصول مهاجرة. لكن إصدار المجلات لا يتم بالأفكار وحدها! وفي هذا السياق سألنا الخبير في مجال النشر، ماريو مونستر، عما إذا كانت المجلة تقف على أرضية قوية، وعما إذا كان بمقدورها الاعتماد على النفس مستقبلا فأجاب بواقعية صريحة، ولكن بنبرة يعلوها الأمل: "ليس الأمر سهلاً؛ فالمنافسة من قِبل المجلات الكبرى، ذات القدرة التمويلية الممتازة، عالية جداً. لا أعرف بالضبط مآل الأمور، ولكن أعتقد أن المجلة لن يمكن لها أن تستمر دون دعم مالي".

 خالد سلامة - برلين
مصدر النص: دويتشه فيله  الإعداد والتحرير: المركز الألماني للإعلام   

المعروض الإعلامي باللغة العربية

Kamerateams

تحصل وسائل الإعلام على المعلومات من وكالات الأنباء في داخل البلاد وخارجها، وأقسام الصحافة بالمؤسسات الحكومية والمنظمات والشركات الخاصة، وعن طريق مراسليها في ألمانيا وخارجها، ومن خلال التحقيقات المباشرة التي تقوم بها.

العلاقات العلمية العربية الألمانية

Internationale Studierende an der Freien Universität Berlin.

مركز التجارة الإلكترونية

Das Eurosymbol vor der Europäischen Zentralbank (EZB) in Frankfurt am Main.

من مصر إلى الفيتنام ومن آخن إلى فورتسبورج – ستجد في مركز التجارة الإلكترونيّة عناوين الغرف التجارية الألمانية بالخارج (AHKs) وغرف التجارة.