"ما وراء الحدود: جاك مراد والمحبة في سورية"

في اليوم الذي بلغني فيه نبأ حصولي على جائزة السلام المقدمة من اتحاد الناشرين الألمان، في اليوم نفسه، خُطِف جاك مراد في سورية. دخل رجلان مسلحان دير مار إليان الكائن على أطراف بلدة القريتين، وطلبوا الأب جاك بالاسم. لا بد أنهم وجدوه في مكتبه الصغير البسيط، الذي هو في الوقت ذاته غرفة معيشته ونومه، فقبضوا عليه واقتادوه معهم. في الحادي والعشرين من شهر أيار صار جاك مراد رهينة لدى ما يُسمى بـ "الدولة الإسلامية".
تعرفت على الأب جاك في خريف 2012، حينما كنت أجوب ربوع سورية، التي أنهكتها الحرب، من أجل كتابة ريبورتاج صحفي. كان يرعى دائرة الكنيسة الكاثوليكية في القريتين ويتبع في الوقت ذاته رهبانية دير مار موسى، التي تأسست في أوائل الثمانينيات في دير متهالك من عصور المسيحية الأولى. هذه الجماعة المسيحية تتمتع بقدر من الخصوصية والتفرد، لأنها ألزمت نفسها بالتعايش والحوار مع الإسلام ومحبة المسلمين. فعلى قدر ما يتبع الرهبان والراهبات تعاليم وطقوس كنيستهم الكاثوليكية بعناية ودقة، بقدر ما يشغلون أنفسهم بالإسلام بجدية وصدق، ويشاركون المسلمين تقاليدهم حتى صيام رمضان. يبدو ذلك ضربًا من الجنون، بل الخبل: مسيحيون وقعوا في حب الإسلام، على حد تعبيرهم. ورغم ذلك، فإن قصة الحب المسيحية الإسلامية هذه كانت حتى وقت قريب واقعًا مُعَاشًا في سورية، ولا تزال كذلك في قلوب سوريين كُثر. خَلَق رهبان وراهبات مار موسى بكد سواعدهم وطيبة قلوبهم وابتهالات أرواحهم فضاءً بدا لي شخصيًّا أشبه بالمدينة الفاضلة، ولم يكن لهم بأقل من تجسيد للمصالحة الأخروية، لن يقولوا إنه استَبَقها، بل استشعرها وصار من مقوماتها: دير حجري من القرن السابع الميلادي في قلب الوحدة الموحشة لجبال الصحراء السورية، يرتاده مسيحيون من شتى بقاع العالم، ويطرق أبوابه يوميًّا مسلمون أكثر. العشرات، بل المئات من المسلمين العرب يطرقون أبوابه، كي يلتقوا إخوانهم المسيحيين ويتحدثوا معهم ويغنوا ويصمتوا سويًّا، بل وكي يصلوا في ركن خالٍ من الصور في الكنيسة وفقًا للشعائر الإسلامية.

حين زرت الأب جاك في عام 2012 كان مؤسس الجماعة الراهب اليسوعي الإيطالي باولو دالوليو قد رُحِّل من سورية قبل وقت قصير، فقد وجه الأب باولو انتقادات لاذعة لحكومة الأسد، تلك الحكومة التي ردَّت على تطلعات شعبها السوري إلى الحرية والديمقراطية -والتي ظلت تسعة شهور سلمية- بالاعتقال والتعذيب والهراوات والبنادق وأخيرًا بمذابح وحشية بل وبالغاز السام، حتى غرقت البلد في حرب أهلية. كما واجه الأب باولو أيضًا قيادة الكنيسة الرسمية السورية التي صمتت عن عنف الحكومة، وحاول دون جدوى الحصول على دعم أوروبي للحركة الديمقراطية في سورية، وناشد الأمم المتحدة دون جدوى فرض حظر جوي، أو على الأقل، إرسال مراقبين، وحذر دون جدوى من الاقتتال الطائفي بسبب التخلي عن المجموعات العلمانية والمعتدلة، ودعم الجهاديين فقط من الخارج. حاول دون جدوى أن يخترق أسوار لامبالاتنا وعدم اكتراثنا. في صيف 2013 عاد إلى سورية كي يساعد بعض أصدقائه المسلمين الذين وقعوا في قبضة "الدولة الإسلامية"، فتعرض هو نفسه للخطف من قبل "الدولة الإسلامية". ومنذ 28 تموز 2013 لم يُعثر للأب باولو دالوليو على أي أثر.

تختلف طبيعة الأب جاك الذي آلت إليه وحده مسؤولية دير مار إليان، اختلافا تامًّا عن الأب باولو. فهو ليس خطيبًا مفوَّهًا، ولا يتمتع بالكاريزما والحيوية الصاخبة المعروفة عن الإيطاليين. ولكنه مثله مثل سوريين كثيرين عرفتهم معتدٌّ بنفسه، مُتَروٍّ، غاية في الأدب، طويل القامة، عريض الوجه، شعره القصير لا يزال يكسوه السواد. بالطبع لم أعرفه جيدًّا، شاركت في القداس الذي كان يتكون -كحاله في سائر الكنائس الشرقية- من ترانيم فاتنة الجمال. وراقبته وهو يتبادل أطراف الحديث بعد ذلك أثناء الغداء مع المؤمنين وكبار الناحية بود واهتمام. وحين انصرف جميع الضيوف، اصطحبني لمدة نصف ساعة إلى غرفته الصغيرة ووضع كرسيًّا لي بجانب السرير الضيق الذي جلس هو عليه.

لم تفاجأني كلماته فحسب، ما أشد شجاعته في انتقاد الحكومة، وصراحته في الحديث عن تصلب المواقف في دائرته الكنسية! هيئتُه هي ما انطبع عميقًا في ذاكرتي: هدوءه وأمانته وصدقه الشديدان، عبد من عباد الله الناسكين الزاهدين، هكذا رأيته، ولأن الله قد أوكل إليه في ذلك الوقت مهمة رعاية المسيحيين المحاصرين في القريتين وقيادة الدير، فقد كان يقوم بهذه المهمة بكل ما أوتي من قوة وعزيمة. تحدث بصوت خفيض وبطء، وعيناه مغمضتان معظم الوقت، وكأنه يريد أن يخفض من سرعة نبضه، ويستغل المقابلة كفسحة لالتقاط الأنفاس بين واجبين مُرهِقَين. وفي الوقت ذاته، تحدَّث برَويَّة وبجُمَل غاية في الدقة، وما قاله كان في وضوحٍ وحِدَّةٍ سياسية، فكنت أسأله المرة تلو الأخرى ما إذا كان اقتباسي له بصورة حرفية قد يشكل خطرًا عليه. ففتح عينيه الداكنتين الدافئتين وأومأ بإرهاق، أجل، يمكنني طباعة كل شيء، وإلا لما كان قاله. العالم يجب أن يعرف ما يدور في سورية.

ذلك الإرهاق، كان أيضًا انطباعًا قويًّا، لعله أقوى انطباعاتي عن الأب جاك. كان إرهاق إنسان لم يدرك فحسب، بل أيقن أن الراحة ربما لن توجد إلا في الحياة الأخرى، إرهاق طبيب ورجل إطفاء كذلك، يوزع قواه حينما تشتد الأزمة. كما كان الأب جاك بوصفه قسًّا في خضم الحرب طبيبًا ورجل إطفاء كذلك، ليس فقط لأرواح الخائفين، بل ولأجساد المحتاجين كذلك، فقد منحهم في كنيسته دون النظر إلى معتقداتهم، المأكل والحماية والملاذ والثياب والمأوى، وقبل كل شيء، العطف والحب. المئات إن لم يكن الآلاف من اللاجئين، معظمهم من المسلمين، آوتهم جماعة مار موسى، حتى اللحظة الأخيرة، في الدير واعتنت بهم. ليس ذلك فحسب: فقد نجح الأب جاك، على الأقل في القريتين، في حفظ السلام، والسلام الطائفي أيضًا. فالفضل الأكبر يرجع إلى ذلك الأب الجاد الهادئ الصموت في أن المجموعات والمليشيات المختلفة، وبعضها مُقرَّب من الحكومة والآخر معارض، قد اتفقت على إخراج جميع الأسلحة الثقيلة من القريتين. ونجح ذلك القس المنتقد للكنيسة في إقناع جميع مسيحيي بلدته تقريبًا بالبقاء. قال لي الأب جاك: "نحن المسيحيين ننتمي إلى هذا البلد، رغم أن الأصوليين عندنا وفي أوروبا لا يحبون سماع ذلك، الحضارة العربية حضارتنا".

كم شعر بالمرارة إزاء تصريح بعض السياسيين في الغرب باستقبال المسيحيين العرب فحسب.الغرب نفسه، الذي لم يعبأ بالملايين من السوريين من مختلف الطوائف الذين تظاهروا بسلمية من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، الغرب نفسه الذي قضى على العراق وأمدَّ الأسد بالغاز السام، الغرب نفسه المتحالف مع المملكة العربية السعودية، وبذلك مع الممول الرئيس للحركات الجهادية –هذا الغرب نفسه هو من يشعر الآن بالقلق على المسيحيين العرب؟! ليس في وسعه إلا الضحك. قال الأب جاك ذلك بقسمات وجه جامدة وأكمل بعينين مغمضتين: هؤلاء السياسيون يدعمون ويشجعون بتصريحاتهم غير المسؤولة نفس الطائفية التي تهددنا نحن المسيحيين".

ازداد عبء المسؤولية التي تحملها الأب جاك، كشأنه دائمًا، بلا شكوى. اضطر أعضاء جماعته الأجانب إلى مغادرة سورية، ووجدوا ملاذًا في شمال العراق. ولم يبق سوى سبع من الراهبات والرهبان السوريين الموزعين على دير مار موسى ومار إليان. كانت الجبهات تتبدل دومًا، فتقع القريتين تارة تحت سيطرة الدولة، وفي قبضة الميلشيات المسلحة تارة أخرى. وكان على الراهبات والرهبان أن يجدوا صيغة تفاهم مع الجانبين، وينجوا مثل جميع السكان من الضربات الجوية، حينما تكون القرية في قبضة المعارضة. ثم توغلت "الدولة الإسلامية" في قلب الأراضي السورية. "تهديد داعش، زمرة الإرهابيين التي تقدم صورة مريعة من الإسلام، بلغ منطقتنا"، هذا ما كتبه الأب جاك، قبل أيام قليلة من اختطافه، إلى صديقة فرنسية. واستطرد: "من الصعب أن نقرر ماذا عسانا أن نفعل. هل علينا أن نترك بيوتنا؟ صعب علينا. إدراكنا أننا خُذلنا مريع. خُذلنا من العالم المسيحي الذي قرر أن يبتعد، كي يدرأ الخطر عن نفسه. نحن لا نعني لهم شيئًا".

في هذه السطور القليلة، في مجرد رسالة إلكترونية مُفردة، كُتبت لا شك في عجلة، تلفت النظر صيغتان يتميز بهما فكر الأب جاك، وفي الوقت نفسه، لا بد أن يُعدَّا معيارًا لفكر أي مثقف. في الجملة الأولى: "تهديد داعش، زمرة الإرهابيين التي تقدم صورة مريعة من الإسلام..." والجملة الثانية عن العالم المسيحي: "نحن لا نعني لهم شيئًا." إنه يدافع عن أتباع الدين الآخر، وينتقد أتباع دينه. حينما كانت الجماعة التي تستند على الإسلام، وتدعي أنها تطبق شريعة القرآن، تشكل تهديدًا مباشرًا ومحسوسًا له ولدائرته الكنسية، قبل أيام قليلة من اختطافه هو نفسه، كان الأب جاك لا يزال يؤكد أن هؤلاء الإرهابيين يشوهون الوجه الحقيقي للإسلام. سوف أعارض أي مسلم لا تخطر على باله في معرض الحديث عن "الدولة الإسلامية" إلا العبارة المستهلكة: العنف ليس له علاقة بالإسلام. ولكن أن يصر مسيحي، قس مسيحي، يترقب أن يقوم مخالفوه في العقيدة بتهجيره أو إهانته أو اختطافه أو قتله - أن يصر على أن يدافع عن هذه العقيدة! مثل هذا العابد الناسك يُبدي في هذا الموقف عظمة لم أشهد مثيلها إلا في سير القديسين.

شخص مثلي لا يمكنه أن يدافع عن الإسلام على هذا النحو. وينبغي عليه ألا يفعل ذلك. حب الـ"نحن": سواء كان حضارتنا أو بلدنا أو حتى شخوصنا يتجلى في النقد الذاتي، أما حب الآخر: سواء كان شخصًا أو حضارة أو حتى ديانة أخرى يمكنه أن يكون أكثر هيامًا، يمكنه أن يكون بلا قيد أو شرط. صحيح أن حب الآخر يتطلب حب النفس. ولكن لا يمكن أن يقع شخص في الحب، مثلما وقع الأب باولو والأب جاك في حب الإسلام، إلا وأن يكون هذا الحب حبًّا للآخر. وعلى عكس ذلك، لا بد أن يكون حب الذات، حتى لا يتعرض لخطر النرجسية، ومدح الذات والإعجاب بها، لا بد أن يكون متشاجرًا، متشككًا، متسائلًا. كم ينطبق ذلك على الإسلام اليوم! أي مسلم لا يتشاجر مع الإسلام ويتشكك فيه ويسائله بروح نقدية فهو لا يحب الإسلام.

لا يتعلق الأمر فحسب بالأخبار المفزعة والصور الأكثر إفزاعًا التي تصلنا من سورية والعراق، حيث يُرفع القرآن عند إتيان كل فعل قبيح، ويُنادى "الله أكبر" عند قطع الرؤوس، بل في بلدان كثيرة، إن لم يكن في معظم بلدان العالم الإسلامي، تستند السلطات الحكومية أو المؤسسات المقرَّبة من الدولة أو المذاهب الدينية أو المجموعات المقاومة على الإسلام، حينما يضطهدون الشعوب، ويظلمون النساء ويلاحقون المخالفين لهم في الرأي والعقيدة وأسلوب الحياة ويهجرونهم ويذبحونهم. باسم الإسلام تُرجم النساء في أفغانستان، وتُقتل صفوف دراسية كاملة في باكستان، وتُسبى مئات من الفتيات في نيجيريا، وتُقطع رؤوس المسيحيين في ليبيا، ويُقتل المدونون في بنجلادش رميًا بالرصاص، ويُشعل فتيل القنابل في الأسواق العامة في الصومال، ويُقتل الصوفيون والموسيقيون في مالي، ويُصلب منتقدو النظام في السعودية، وتُمنع أهم أعمال الأدب المعاصر في إيران، ويُضطهد الشيعة في البحرين، ويُحرض السنة والشيعة على بعضهم البعض في اليمن.

لا شك أن الغالبية العظمى من المسلمين ترفض الإرهاب والعنف والاضطهاد. ليست هذه عبارة مستهلكة، فقد شهدت ذلك في أسفاري: من يفتقدون الحرية، هم أكثر من يعرفون قيمتها. انتفاضات الشعوب في العالم الإسلامي في السنوات الأخيرة كانت انتفاضات من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. ولا يسري ذلك على الثورات التي فشل معظمها في كل البلدان العربية تقريبًا، بل وعلى الحركات الاحتجاجية في تركيا وإيران وباكستان أيضًا، وأخيرًا، وليس آخرًا، انتفاضة صناديق الاقتراع أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة في إندونيسيا. كما يتضح لنا من تدفق اللاجئين أين يأمل الكثير من المسلمين حياة أفضل من حياتهم في أوطانهم، على كل حال ليس في الديكتاتوريات الدينية. وكذلك فإن التقارير التي تصلنا من الموصل والرقة، لا تشي بحماس، بل برعب ويأس السكان. كل المرجعيات الدينية المعتبرة في العالم الإسلامي دحضت ادعاء داعش بالحديث باسم الإسلام، وبيَّنت بالتفصيل كيف أن أفعال داعش وأيديولوجيتها مناقضة للقرآن والمبادئ الأساسية للفقه الإسلامي. ولا ننسى أن من يتقدم الصفوف لمحاربة "الدولة الإسلامية" هم مسلمون: أكراد وشيعة وقبائل سنية ومقاتلون من الجيش العراقي.

لا بد من قول كل ذلك، إذا لم نرد أن نقبل الصورة المزيفة التي يرسمها الإسلاميون ومنتقدو الإسلام المتعصبون بنفس الكلمات: يشن الإسلام حربًا على الغرب. الأحرى أن نقول: يشن الإسلام حربًا ضد نفسه، ما أقصده: تتزلزل أرجاء العالم الإسلامي إثر صراع داخلي قد تشبه آثاره على الخريطة السياسية والإثنية ما أحدثته الحرب العالمية الأولى من تغيرات جذرية. الشرق متعدد الإثنيات والديانات والثقافات، الذي درستُه في نصوص أدبية عظيمة من العصور الوسطى، وتعرفت عليه وأحببته أثناء إقاماتي الطويلة في القاهرة وبيروت، وقبلها طفلًا أثناء العطلة الصيفية في أصفهان، وبعدها مراسلًا في دير مار موسى، كواقع مهدد، لم يكن أبدًا معافًى وسليمًا، ولكنه كان يفيض بالحيوية والحياة. هذا الشرق لن يوجد منه إلا أقل القليل مثله مثل "عالم الأمس" الذي أطل عليه شتفان تسفايغ في عشرينيات القرن الماضي إطلالة مفعمة بالأسى والشجن.

ماذا حدث؟ لم تبدأ "الدولة الإسلامية" اليوم، ولم تبدأ أيضًا مع الحرب الأهلية في العراق وسورية. قد تُقابَل أساليبها بالرفض، ولكن أيديولوجيتها هي الأيديولوجية الوهابية المؤثرة والفاعلة اليوم حتى أقصى زاوية من زوايا العالم الإسلامي، والتي اكتسبت في نسختها السلفية جاذبية أيضًا للشباب في أوروبا. حين نعرف أن الكتب المدرسية والمناهج الدراسية في "الدولة الإسلامية" متطابقة لدرجة تصل إلى 95 بالمائة مع الكتب المدرسية والمناهج الدراسية في السعودية، نعرف أيضًا أن تقسيم العالم تقسيمًا صارمًا بين الحرام والحلال، والبشر بين المؤمنين والكفار لا يوجد في العراق وسورية فقط. على مدار عقود وبدعم مليارات البترول، انتشر في المساجد والكتب والتليفزيون، فكرٌ يكفر المخالفين في العقيدة ويسبهم ويروعهم ويحقر من شأنهم ويهينهم. حينما يعامل المرء الآخرين بدونية بصورة ممنهجة يومًا بعد يوم وعلى الملأ، فسوف تكون النتيجة المنطقية -نعرف ذلك حق المعرفة من تاريخنا، التاريخ الألماني- أنه سيعتبر حياتهم، في نهاية المطاف، بلا قيمة. أن تصير مثل هذه الفاشية الدينية أصلًا ممكنة، وأن يتسنى لداعش أن تجد كل هؤلاء المقاتلين، ومتعاطفين أكثر منهم، وأن تحتل بلدانًا كاملة، وتستولي على مدن مليونية بلا مقاومة تذكر، ذلك ليس بداية، بل النهاية المؤقتة لصيرورة انحطاط طويلة، انحطاط للفكر الديني بالأخص.

بدأتُ دراسة الاستشراق في عام 1988، موضوعاتي كانت القرآن والشعر. أعتقد أن كل من يدرس هذا التخصص، في صورته الكلاسيكية، يبلغ نقطة، لا يمكنه أن يوفق فيها بين الماضي والحاضر. ويصير عاطفيًّا بلا أمل، بلا أدنى أمل. بالطبع لم يكن الماضي سلميًّا وورديًّا ومتعددًا فقط. إلا أنني بصفتي متخصصًا في علم اللغة كنت منشغلًا بكتابات الصوفيين والفلاسفة والبلاغيين والفقهاء. وأنا، لا بل نحن الطلاب، لم يكن في وسعنا، ولا نزال، إلا أن نندهش من الأصالة والرحابة الفكرية والطاقة الجمالية والعظمة الإنسانية التي نجدها في روحانية ابن عربي وشعر جلال الدين الرومي وتاريخ ابن خلدون وبلاغة الجرجاني وفلسفة ابن رشد وأسفار ابن بطوطة، ولا نزال نجدها، في حكايات ألف ليلة وليلة الدنيوية، أجل الدنيوية والإيروتيكية، وبالمناسبة نسوية أيضًا، وفي الوقت ذاته كل صفحة من صفحاتها مشبعة بروح وآيات القرآن. لم يكن كل ذلك تقارير صحفية، لا بل كان الواقع الاجتماعي لهذه الحضارة المزدهرة. كان مثله مثل أي واقع أكثر قتامة وعنفًا، ورغم ذلك تشهد هذه الكتابات على ما كان ذات يوم ممكنًا بل وبديهيًّا في قلب الإسلام. لا شيء، لا شيء على الإطلاق، يوجد في قلب الثقافة الدينية للإسلام الحديث، يمكنه أن يثير، ولو على سبيل المقارنة، فتنة وسحرًا مشابهًا، وبمثل هذا العمق، مثل الكتب التي وجدتها أثناء دراستي. وأنا هنا لا أتحدث عن العمارة الإسلامية أو الفن الإسلامي أو علم الموسيقى الإسلامي، فهذه الأشياء لم تعد موجودة.

أود أن أضرب لكم مثلًا على ضياع الحرية والإبداع من مجال تخصصي: ذات يوم كان ممكنًا، بل وبديهيًّا أن يُعتبر القرآن نصًّا شعريًّا، لا يمكن فهمه إلا بطرق ومناهج علوم الشعر، مثله مثل قصيدة. كان ممكنًا، بل وبديهيًّا أن يكون الفقيه دارسًا للأدب وعالمًا بدقائق الشعر وفي حالات كثيرة شاعرًا أيضًا. في الوقت الحاضر حوكم أستاذي، نصر حامد أبو زيد، في القاهرة بتهمة الردة، وطُرد من كرسيه الجامعي، وطلقته المحكمة من زوجته قسرًا، لأنه اعتبر علوم القرآن علومًا للأدب. ويعني ذلك أن المدخل إلى القرآن الذي كان بديهيًّا، والذي كان يستند فيه نصر حامد أبو زيد على أهم علماء الفقه الإسلامي الكلاسيكي، لم يعد مسموحًا بالتفكير فيه في الوقت الحاضر. مثل هذا المدخل إلى القرآن، رغم أنه المنهج التقليدي، يُلاحق ويُعاقب ويُكفَّر. رغم أن القرآن ليس نصًّا مسجوعًا فحسب، بل إنه يتحدث بصورة مبلبلة، متعددة المعاني، وغامضة. كما أنه ليس كتابًا، بل قرآنًا يُتلى، مدونة ترانيم، يُحرك مشاعر مستمعيه العرب بإيقاعه وأصواته وألحانه. الفقه الإسلامي لم يراعِ الخصوصيات الجمالية للقرآن فحسب، بل جعل من جمال اللغة معجزة الإسلام. وما يحدث، حينما يتجاهل المرء البنية اللغوية للنص، ولا يفهمها فهمًا مقبولًا أو حتى يلتفت إليها – ما يحدث يمكننا معاينته في كل أرجاء العالم الإسلامي: يتدنى القرآن إلى منزلة كتيب إرشادات يبحث فيه المرء عن هذه الكلمة أو تلك، وتتحول طاقة القرآن اللغوية إلى ديناميت سياسي.

كثيرًا ما نقرأ أن الإسلام عليه أن يمر بنار التنوير أو أن الحداثة عليها أن تتغلب على التقاليد. إلا أن هذا الرأي قد يكون نوعًا من التبسيط المُخلِّ، إذا كان ماضي الإسلام أكثر تنويرًا، وإذا كانت الكتابات القديمة تشي بحداثة أكثر من الخطاب الديني المعاصر. فلم يكن كلٌّ من جوته وبروست، وليسينغ وجويس يعانون من التشوش الفكري، حتى يُفتنوا بالحضارة الإسلامية. لقد رأوا في الكتب والصروح الأثرية شيئًا لا ندركه، نحن الذين كثيرًا ما يتعينعلينا أن نواجه قساوة حاضر الإسلام. لعل مشكلة الإسلام لا تكمن في تراثه،بل في القطيعة الكاملة مع هذا التراث: فقدان الذاكرة الثقافية، النَّسَاوة الحضارية.

جميع شعوب الشرق شهدت تحديثًا قاسيًا فُرض عليها من فوق، من الاستعمار والديكتاتوريات العلمانية. فغطاء الرأس، على سبيل المثال، لم تخلعه النساء الإيرانيات تدريجيًّا، بل بأمر من الشاه، انتشر الجنود في الشوارع في عام 1936، كي يجبروهن على خلعه. وعلى خلاف أوروبا، حيث تسنى معايشة الحداثة، رغم كل الانتكاسات والجرائم، كصيرورة للتحرر، تمت على مدار عقود طويلة وقرون، كانت الحداثة في الشرق الأوسط، في جوهرها، خبرة عنيفة. لم ترتبط الحداثة بالحرية، بل بالاستغلال والاستبداد. تصوروا رئيسًا إيطاليًّا يقتحم بسيارته كاتدرائية القديس بطرس، ويقفز بنعله المتسخ على المذبح ويضرب البابا بسوط في وجهه، عندئذ يمكنكم أن تتخيلوا تقريبًا معنى أن يدخل الشاه رضا في عام 1928 بحذائه في الضريح المقدس بمدينة قم،ويرد على طلب الإمام أن يخلع حذاءه مثله مثل أي مؤمن، بضربة سوط على وجهه. ستعثرون على وقائع مماثلة ولحظات مفصلية مشابهة في بلدان كثيرة في الشرق الأوسط، التي لم تتحرر من ماضيها ببطء بل دمرته وحاولت محوه من الذاكرة.

كان في وسع المرء أن يظن أن الأصوليين الدينيين، الذين اكتسبوا تأثيرًا واسعًا في كل أرجاء العالم الإسلامي بعد فشل القومية، سيقدرون حضارتهم أفضل تقدير. إلا أنهم فعلوا العكس: ففي سبيل سعيهم للعودة إلى نقطة بدايةمتخيلة، لم يهملوا التراث فحسب، ولكنهم حاربوه بعزم وتصميم. نحن نندهش من الصور التي تنهال علينا من "الدولة الإسلامية"، فقط لأنه فاتنا أنه لم يعد ثمة وجود لآثار في السعودية أصلًا. في مكة دمر الوهابيون قبور ومساجد الصحابة، بل والبيت الذي شهد مولد النبي. وشُيِّد مبنى جديد عملاق على أنقاض المسجد التاريخي للنبي في المدينة. وفي الموضع الذي كان يوجد فيه حتى سنوات قليلة مضت البيت الذي سكن فيه محمد مع زوجته خديجة، يوجد اليوم مرحاض عام.

بجانب القرآن انشغلتُ أثناء الدراسة بالتصوف الإسلامي بصورة أساسية. قد تبدو الصوفية شيئًا هامشيًّا، نوعًا من التعاليم الباطنية الروحانية أو نوعًا من الثقافة السفلية. لا يوجد وصف خطأ أكثر من ذلك بالنسبة للإسلام. فحتى القرن العشرين كانت الصوفية هي القاعدة الأساسية للتدين الشعبي في شتى أنحاء العالم الإسلامي تقريبًا. وفي الإسلام الأسيوي لا تزال كذلك حتى اليوم. وفي الوقت ذاته، كانت الحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها، خصوصًا الأدب والفن التشكيلي والعمارة، متشربة بروح الصوفية. وكانت الصوفية تمثل، بصفتها الشكل المتداول للتدين، الثقل الجمالي والأخلاقي الموازن لأرثوذكسية الفقهاء. فمن خلال إبرازها لصفة الرحمة في الله ورؤيتها لذلك خلف كل حرف من حروف القرآن، وبحثها عن الجمال في الدين، وإدراكها للحقيقة في صور الاعتقاد الأخرى، وتبنيها لوصية حب الأعداء من المسيحية، مدتالصوفية المجتمعات الإسلامية بقيم وقصص وأنغام، لم يكن من الممكن استنباطها من التدين الحرفي. لم تلغِ الصوفية بوصفها الإسلام المُعاش إسلام الأوامر والنواهي، ولكنها جعلته أكثر نعومة وإبهامًا وشفافيةً وتسامحًا في الحياة اليومية، وجعلته من خلال الموسيقى والرقص والشعر مُعاشًا بالحواس.

لم يبقَ شيء من ذلك تقريبًا. أينما وضع الإسلاميون أقدامهم، بداية من القرن التاسع عشر فيما يعرف بالسعودية اليوم حتى مالي، كانوا يوقفون الاحتفالات الصوفية ويمنعون الكتابات الصوفية ويدمرون أضرحة الأولياء ويقصون شعور مشايخ الصوفية الطويلة أو يقتلونهم على الفور. لم تكن تقاليد وعادات الإسلام الشعبي متخلفة وبالية في عين الإسلاميين فحسب، بل وفي عين المصلحين وقادة التنوير الديني في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أيضًا. فهم مثلًا لم يأخذوا الكتابات الصوفية مأخذ الجد، بل كان العلماء الغربيون والمستشرقون، مثل الحاصلة على جائزة السلام لعام 1995، أنا ماري شيمل، هم مَنْ حققوا المخطوطات وحفظوها بذلك من الضياع. وحتى اليوم لا تنشغل غير قلة قليلة من المثقفين المسلمين بتراثهم الثري. وتمثل المدن القديمة المدمرة والمهملة والمليئة بالنفايات وبالصروح المتهدمة في كل أرجاء العالم الإسلامي، تمثل اضمحلال الروح الإسلامية تمثيلًا محسوسًا مرئيًّا، مثلما يمثل ذلك أيضًا أكبر مول تجاري في العالم بُني في مكة بجانب الكعبة مباشرة. لا بد أن يتمثل المرء ذلك أمام عينيه، ويمكن مشاهدة ذلك في الصور: قدس الأقداس الإسلامي، هذا المبنى العظيم في بساطته، الذي صلى فيه النبي، تعلوه، بالمعنى الحرفي للكلمة، ماركات غوتشي وأبل. لعله كان من الأحرى بناأن نستمع بدرجة أقل إلى إسلام مفكرينا العظماء، وبدرجة أكبر إلى إسلام جَدَّاتِنا.

بالطبع، بدأت بعض البلدان الإسلامية في ترميم البيوت والمساجد، ولكن كان لا بد أن يأتي أولًا خبراء تاريخ الفن الغربيون أو حتى مسلمون متغربون مثلي ليدركوا قيمة التراث. وللأسف أتينا متأخرين قرنًا، فكانت المباني قد تهدمت وفنون البناء نُسيت والكتب مُحيت من الذاكرة. إلا أننا اعتقدنا على أية حال أنه لدينا الوقت لدراسة الأشياء دراسة دقيقة. أحيانًا أشعر بصفتي قارئًا وكأني عالم آثار في منطقة حرب يجمع بقايا الآثار بسرعة وبلا أدنى تأمل حتى يتسنى للأجيال القادمة، على الأقل، مشاهدتها في المتاحف. لا تزال البلدان المسلمة تقدم، على أغلب الظن، أعمالًا عظيمة، كما يتجلى ذلك في البيناليات ومهرجانات السينما، وكما تجلى ذلك أيضًا في معرض الكتاب في فرانكفورت في هذا العام. ولكن هذه الحضارة لم يعد لها علاقة بالإسلام تقريبًا. لا توجد حضارة إسلامية تقريبًا، حضارة يُعتد بها على أية حال. ما يتطاير الآن حولنا ويسقط فوق رؤوسنا هو شظايا انفجار فكري داخلي هائل.

هل ثمة أمل؟ ثمة أمل حتى النفس الأخير، كما يعلمنا الأب باولو مؤسس جماعة مار موسى. الأمل هو المحور الرئيس في كتاباته. في اليوم التالي لخطف تلميذه وممثله تدفق مسلمو القريتين دون أن يطلب منهم أحد ذلك إلى الكنسية، وصلُّوا من أجل "أبوهم" جاك. تجاوز مفعول الحب حدود الديانات والإثنيات والحضارات، لا بد أن يمنحنا الأمل أيضًا. وأطلقت الصدمة الهائلة التي أحدثتها أخبار وصور "الدولة الإسلامية" قوى مضادة. أخيرًا تتشكل في قلب الأرثوذكسية الإسلامية حركة مقاومة ضد العنف باسم الدين. ومنذ سنوات نرى، ربما بدرجة أقل في المركز العربي للإسلام، وبدرجة أكبر في الأطراف، في أسيا وجنوب إفريقيا وإيران وتركيا وأخيرًا وليس آخرًا بين المسلمين في الغرب، بزوغ فكر ديني جديد. على نحو مشابه أعادت أوروبا خلق نفسها من جديد بعد حربين عالميتين. ولعله يجب علي -إزاء الاستهتار بمشروع الوحدة الأوروبي والتقليل من قيمته والازدراء العلني له، والذي لا يبديه سياسيونا فحسب، بل نحن أفراد المجتمع منذ سنوات، رغم أنه أكبر شيء سياسي ذي قيمة أنجزته هذه القارة- لعله يجب علي أن أذكر في هذا المقام أنني كثيرًا ما أُسأل في أسفاري عن أوروبا: كنموذج، بل ومدينة فاضلة تقريبًا. من نسي لِمَ نحتاج أوروبا، عليه أن ينظر في الوجوه الخائفة المتعبة الضامرة للاجئين. الذين تركوا كل شيء خلفهم وتخلوا عن كل شيء وخاطروا بحياتهم من أجل الوعد الذي لا تزال أوروبا تمثله.

يعيدني ذلك إلى الجملة الثانية للأب جاك، الجملة الثانية التي لفتت نظري، جملته عن العالم المسيحي: "نحن لا نعني لهم شيئًا". بصفتي مسلمًا ليس لي أن ألوم المسيحيين في العالم لأنهم، إن لم يكونوا يهتمون بالشعب العراقي أو السوري، فإنهم لا يهتمون حتى بإخوانهم في العقيدة. ورغم ذلك فهذا ما أفكر فيه غالبًا، حينما أرى عدم اكتراث الرأي العام عندنا بالكارثة الكبرى في الشرق الذي نريد إبعاده عنا بالأسلاك الشائكة والبوارج الحربية وصور العداوة والغمامات الفكرية. على مسيرة ثلاث ساعات بالطائرة من فرانكفورت تُباد وتُهجر مجموعات عرقية، وتُسبى الفتيات، وتُفجر الكثير من أهم صروح الحضارة الإنسانية، وتندثر حضارات، ومع الحضارات يندثر تعدد وتنوع لغوي وديني وعرقي، يمتد إلى قديم الأزل، استطاع خلافا لأوروبا أن يحافظ على نفسه إلى حد ما حتى القرن الواحد والعشرين. ولكننا لا نجتمع ونتحرك، إلا حينما تصيبنا إحدى قنابل هذه الحرب، كما حدث في السابع والثامن من كانون الثاني في باريس، أو حينما يفر الناس من هذه الحرب ويطرقون أبوابنا.

من الجيد أن مجتمعاتنا، خلافًا لما حدث بعد الحادي عشر من أيلول 2001، قد ردت على الإرهاب بالحرية. ومن بواعث السعادة أن نرى هذا العدد الكبير من الناس في أوروبا، لا سيما في ألمانيا، وهم يساعدون اللاجئين. إلا أن ذلك الاحتجاج وهذا التضامن يفتقران إلى البعد السياسي غالبًا. فنحن لا نقوم بنقاش مجتمعي واسع حول أسباب الإرهاب، وتدفق اللاجئين، وإلى أي مدى قد تدعم سياساتنا الكارثة الواقعة أمام حدودنا. نحن لا نسأل لِمَ يكون أكبر حلفائنا في الشرق الأوسط السعودية بالذات؟ ولا نتعلم من أخطائنا حين نفرش السجادة الحمراء لديكتاتور مثل الجنرال السيسي، أو نتعلم الدروس الخطأ، حينما نستنتج من الحروب الكارثيةفي العراق أو ليبيا أنه من الأفضل أن ننأى بأنفسنا حتى في حالات الإبادة العرقية. ولم يخطر ببالنا شيء لمنع القتل الذي يمارسه النظام السوري في حق شعبه منذ أربع سنوات. وكذلك تعودنا على وجود الفاشية الدينية الجديدة ذات نطاق سيادة في حجم بريطانيا العظمى، يمتد من حدود إيران حتى البحر المتوسط. ولا أعني أن ثمة إجابات بسيطة على كيفية تحرير مدينة مليونية مثل الموصل. ولكننا لا نطرح على أنفسنا السؤال بصورة جدية. لا يمكن أن تكون منظمة مثل "الدولة الإسلامية" بعدد مقاتلين يبلغ 30 ألفًا وفق أكبر التقديرات غير قابلة للهزيمة من قبل المجتمع الدولي. ولا ينبغي أن تكون. "اليوم هم لدينا" يقول أسقف الموصل يوحنا بطرس موشي وهو يناشد الغرب وقوى العالم المساعدة في إخراج داعش من العراق. "اليوم هم لدينا. وغدًا سيكونون لديكم".

لا أريد أن أتخيل ما يجب أن يحدث حتى نصدق كلام أسقف الموصل، لأن منطق بروباغندا "الدولة الإسلامية" يعتمد على تصعيد الرعب درجةً فدرجة كي يخترق وعينا. حين لم يعد يثيرنا منظر الرهائن المسيحيين الذين يصلون صلاة الوردية المقدسة قبل ذبحهم، بدأ داعش بذبح مجموعات كاملة من المسيحيين. وحين منعنا عمليات الذبح عن شاشتنا، أحرق داعش الصور من المتحف الوطني بالموصل. وحين اعتدنا على مشاهد التماثيل المهشمة، بدأ داعش في تسوية مدن أثرية كاملة، مثل نينوى ونمرود، بالأرض. وحين كففنا عن الانشغال بتهجير الإيزيديين، أيقظتنا أخبار الاغتصابات الجماعية لوهلة قصيرة. وحين اعتقدنا أن الرعب يقتصر على العراق وسورية، وصلتنا فيديوهات الذبح من ليبيا ومصر. وحين اعتدنا على عمليات الذبح والصلب، صاروا يذبحون الضحايا أولًا ثم يصلبونهم، كما فعلوا مؤخرًا في سورية. لا تُفجَّر تدمر مرة واحدة وإنما أثرًا أثرًا، على مدى أسابيع، حتى يتم إنتاج خبر جديد كل مرة. لن يتوقف ذلك. ستصعد داعش من العنف حتى نراه ونسمعه ونشعر به في حياتنا اليومية في أوروبا. لن يتوقف هذا الرعب من تلقاء نفسه. ولم تكن باريس سوى البداية، ولن تكون ليون عملية الذبح الأخيرة. كلما ننتظر، يقل ما تبقى لدينا من إمكانيات. بعبارة أخرى: لقد تأخرنا جدًّا.

هل يجوز أن يدعو حائز على جائزة السلام إلى الحرب؟ أنا لا أدعو إلى الحرب. أنا أشير فقط إلى أن هناك حربًا قائمة. وأننا كجيرانها الأقربين، علينا أن نتصرف حيالها، ربما عسكريًّا، أجل، ولكن، قبل كل شيء، بحزم أكبر بكثير من ذي قبل على الصعيد الدبلوماسي وكذلك على صعيد المجتمع المدني، لأن هذه الحرب لم يعد من الممكن إنهاؤها في سورية والعراق فقط. لا يمكن إنهاؤها إلا من القوى التي تقف وراء الجيوش والمليشيات المتصارعة: إيران وتركيا ودول الخليج وروسيا والغرب أيضًا. ولن تتحرك الحكومات إلا عندما تكف مجتمعاتنا عن قبول هذا الجنون. على الأرجح سنرتكب أخطاء مهما فعلنا الآن. ولكن الخطأ الأكبر نرتكبه عندما نظل لا نفعل أو لا نفعل إلا القليل إزاء القتل الجماعي أمام باب بيتنا الأوروبي، القتل الجماعي الذي تمارسه الدولة الإسلامية، والذي يمارسه نظام الأسد.

"عائد لتوي من حلب" واصل الأب جاك في رسالته التي كتبها قبل أيام قليلة من خطفه في الحادي والعشرين من أيار. "هذه المدينة، التي تنام على نهر العزة، هذه المدينة الواقعة في قلب الشرق. هي الآن مثل امرأة افترسها السرطان. الجميع يفر من حلب، والمسيحيون المساكين على وجه الخصوص، رغم أن هذه المذابح لا تطال المسيحيين فحسب، بل الشعب السوري بأكمله. من الصعب تنفيذ ما خُلقنا من أجله، لا سيما في هذه الأيام التي اختفى فيها الأب باولو، معلم ومؤسس الحوار في القرن الواحد والعشرين. في هذه الأيام نعيش الحوار كمعاناة جماعية مشتركة. نشعر بالحزن في هذا العالم غير المنصف، الذي يتحمل قدرًا من المسؤولية عن ضحايا الحرب، عالم الدولار واليورو، الذي لا يهمه سوى شعوبه ورفاهيته وأمنه، بينما يموت بقية العالم جوعًا ومرضًا وحربًا. يبدو أن هدفه الوحيد هو العثور على مناطق يشن فيها الحروب ويزيد فيها من التجارة بالأسلحة والطائرات. كيف تبرر تلك الحكومات لنفسها أنها يمكنها إنهاء هذه المذابح ولكنها لا تفعل، لا تفعل أي شيء على الإطلاق. لا أخشى على إيماني، ولكني أخشى على العالم. السؤال الذي نطرحه على أنفسنا هو التالي: هل لدينا الحق في الحياة أم لا؟ الإجابة موجودة، لأن هذه الحرب إجابة واضحة وضوح الشمس. إذن فالحوار الحقيقي الذي نعيشه اليوم هو حوار الرحمة. تحلي بالشجاعة، يا عزيزتي، أنا معك وأعانقك بشدة. جاك".

بعد شهرين من اختطاف الأب جاك في 28 تموز 2015 استولت "الدولة الإسلامية" على بلدة القريتين. معظم السكان تمكنوا من الفرار في اللحظة الأخيرة، ولكن داعش خطفت مائتين من المسيحيين. وبعد شهر، في 21 آب دُمر دير مار إليان بالبلدوزرات. في الصور التي وضعتها داعش على الإنترنت نرى أنه لم يعد حجر من الأحجار -التي يبلغ عمرها ألفًا وسبعمائة سنة- فوق الآخر. وبعد أسبوعين، في 3 أيلول ظهرت صور على موقع لـ "الدولة الإسلامية" على الإنترنت فيها مسيحيون من بلدة القريتين يجلسون في الصفوف الأولى بقاعة مدرسية أو قاعة احتفالات حليقي الرؤوس، وبعضهم جلد على عظم، نظراتهم جوفاء، ويبدو عليهم جميعًا أثر الأسر. وكذلك يمكن رؤية الأب جاك في الصور، في زي مدني، حليق الرأس وضامرًا كذلك، ويمكن رؤية أثر المحنة في نظرته. يضع يده فوق فمه، وكأنه لا يريد أن يصدق ما يرى. وعلى مسرح هذه القاعة يجلس رجل عريض المنكبين طويل اللحية في زي حربي يوقع عقدًا. إنه ما يسمى بعقد الذمة الذي يخضع المسيحيين لسلطة المسلمين. لا يجوز لهم بناء كنيسة أو أديرة، ولا حمل الصليب أو الكتاب المقدس. ولا يجوز لقسسهم أن يرتدوا ثياب القسس. ولا يجوز أن يسمع المسلمون صلوات المسيحيين أو يقرأوا كتاباتهم أو يدخلوا كنائسهم. ولا يجوز أن يحمل المسيحيون أسلحة وعليهم أن ينصاعوا إلى تعليمات "الدولة الإسلامية" دون قيد أو شرط. عليهم أن ينحنوا ويقبلوا دون شكوى أي ظلم، وعلاوة على ذلك، أن يدفعوا الجزية حتى يُسمح لهم بالحياة. يشعر المرء بالغثيان حين يقرأ هذا العقد. فهو يقسم مخلوقات الله بصورة واضحة إلى أناس من الدرجة الأولى والثانية، ولا يدع مجالًا للشك أن ثمة أناسًا من الدرجة الثالثة حياتهم أقل قيمة.

إنها نظرة هادئة، ولكنها مكتئبة ويائسة. تلك النظرة التي يلقيها علينا الأب جاك في الصورة، بينما يضع يده فوق فمه. كان يتوقع الاستشهاد، ولكن أن تقع بلدته في الأسر! الأطفال الذين عمدهم والمحبون الذين زوجهم والعجائز الذين وعدهم بالمسحة الأخيرة، لا بد أن ذلك يدفعه إلى حافة الجنون. أجل لا بد أن يدفع ذلك، حتى الأب جاك الـمُتَروِّي الصلب من الداخل المؤمن بقضاء الله، إلى حافة الجنون. فبسببه بقي المخطوفون في بلدة القريتين، ولم يفروا مثلما فر مسيحيون كثيرون من سورية. الأب جاك سيظن أنه يتحمل وزر ذلك. ولكن حكم الله عليه، ذلك ما أوقن به، سيكون مختلفًا.

هل ثمة أمل؟ أجل، ثمة أمل دومًا. كنت قد كتبت هذه الكلمة، حين جاءني، قبل خمسة أيام، يوم الثلاثاء، نبأ: الأب جاك حر. سكان بلدة القريتين ساعدوه على الهروب من زنزانته. أخفوه وأخرجوه بمساعدة البدو من أراضي "الدولة الإسلامية". وهو الآن قد عاد إلى إخوته وأخواته من جماعة مار موسى. وفيما يبدو شارك الكثيرون في تحريره، وكانوا جميعًا مسلمين. وخاطر كل واحد منهم بحياته من أجل قس مسيحي. تجاوز مفعول الحب حدود الأديان والإثنيات والحضارات. يا له من خبر رائع! باهر وخارق بالمعنى الحرفي للتعبير، ولكن كفة القلق لا تزال راجحة، لا سيما عند الأب جاك، لأن حياة مائتين من المسيحيين الآخرين في القريتين باتت في خطر أكبر بتحريره. وكذلك لم يُعثر، حتى الآن، لمعلمه الأب باولو، مؤسس الجماعة المسيحية التي تحب الإسلام، على أي أثر. يوجد أمل حتى النفس الأخير.

لا ينبغي أن يدعو الحائز على جائزة السلام إلى الحرب. ولكن يمكنه أن يدعو إلى الصلاة. سيداتي وسادتي، أود أن أطلب منكم شيئًا غريبًا، رغم أنه من زاوية أخرى ليس غريبًا في كنيسة. أود أن أرجوكم ألا تصفقوا في نهاية كلمتي، بل أن تصلوا من أجل الأب باولو والمائتي مسيحي في القريتين، الأطفال الذين عمدهم الأب جاك والمحبين الذين زوجهم والعجائز الذين وعدهم بالمسحة الأخيرة. وإذا لم تكونوا متدينين، فلتكونوا بأمنياتكم مع المخطوفين ومع الأب جاك الذي يلوم نفسه لأنه حُرر. ما الدعوات إلا أمنيات موجهة إلى الله. أؤمن بالأمنيات وأؤمن أنها تؤثر في عالمنا بوجود الله أو بدون وجوده. بدون الأمنيات لم تكن الإنسانية لتضع تلك الأحجار، التي تقوضها برعونة في الحروب، فوق بعضها البعض. لذا أرجوكم، سيداتي وسادتي، أن تدعوا لباولو دالوليو ومسيحيي القريتين. صلوا من أجل، أو تمنوا، تحرير كل الرهائن وتحرير سورية والعراق. ويمكنكم أن تنهضوا أثناء ذلك حتى نردَّ على فيديوهات الذبح الإرهابية بصورة أخوتنا.

أشكركم

ترجمها إلى العربية : محمود حسنين

"ما وراء الحدود: جاك مراد والمحبة في سورية"

Kermani (Archiv)